الإثنين, 30 كانون1/ديسمبر 2013 11:52

تعريف

الملخص التنفيذي

          يتابع هذا الدليل جهداً بدأته المنظمة العربية لحقوق الإنسان منذ بداية العقد الماضي في سياق مشاريع مشتركة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول قضايا التنمية، ودمج حقوق الإنسان في التنمية، وتفعيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفقر وغيرها من الأهداف المحورية للتنمية في سياق الإسهام في التراكم المعرفي في الفكر التنموي في العالم العربي، واتصالا بواقعة وهمومه.

          وقد واكبه وتوازى معه مستوى آخر من العمل من خلال جهد مشترك مع منظمات غير حكومية ومؤسسات وطنية ومراكز بحثية أكاديمية ومستقلة حول القضاء على جميع أشكال التمييز، بدءًا من التمييز ضد المرأة، إلى التمييز العنصري، ومكافحة التهميش والإقصاء، بهدف تعزيز سياسات الدمج الاجتماعي، وتفعيل حقوق المواطنة.

          ويختص هذا الدليل تحديداً بقضية التمكين القانوني للفقراء، استطراداً لجهد قامت به لجنة دولية رفيعة المستوى بمساهمة عربية رفيعة أيضاً في العام 2006 وعكفت على دراسة سبل دعم حقوق الفقراء من خلال تمكينهم من اللجوء إلى القانون للحصول على حقوقهم والارتقاء بمصالحهم في إطار التعامل مع الدولة والسوق من خلال جهودهم الشخصية وجهود مؤازريهم وشبكات المساندة الأوسع نطاقاً، وصدرت عنها وثيقة مهمة في العام 2008 بعنوان "من أجل قانون في خدمة الجميع".

          تبنت هذه الوثيقة مفهوم التمكين القانوني للفقراء ":كإستراتيجية للتنمية"، وإن حذرت من أنها ليست بديلاً عن مبادرات التنمية الأخرى، فمتى أصبح القانون في خدمة الجميع فسيتم تعريف ما للجميع من حقوق وما عليهم من التزامات مع إنفاذ تلك الحقوق والالتزامات وهو ما يسمح للأفراد بالتفاعل فيما بينهم في مناخ تسوده الثقة ولا تعصف به المفاجآت.

          فسيادة القانون ليست أداة تجميل في عملية التنمية ولكنها مصدر عملي للدفع نحو التقدم، فإذا وقف القانون عائقاً أمام الفقراء في تحسين أوضاعهم أو وجدوه عقبة في سبيلهم نحو الكرامة والأمن فسيتم عندئذ نبذ القانون كمؤسسة شرعية، أما إذا ما تم قبول القانون واستيعابه بوصفه سبيلاً للحماية وتكافؤ الفرص، مع ضمان عدالة العملية القانونية وحيادها فسيكون القانون حينئذ موقراً ومحترماً باعتباره أساس العدالة.

          وحددت هذه الوثيقة أربعة ركائز أساسية لتحقيق هذه الإستراتيجية وهي تيسير الوصول إلى العدالة وسيادة القانون، وحقوق الملكية، وحقوق العمل، وحقوق ممارسة الأعمال التجارية، واعتبرت أن هذه الركائز الأربعة تدعم بعضها البعض.

          وعندما تفاعلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان مع هذه الإستراتيجية لأول مرة في العام 2010 استقبلتها بقدر كبير من الاهتمام والتحفظ في الوقت ذاته، كان مصدر الاهتمام الأساسي هو المقاربة التمكينية للفقراء، وهو مدخل لا سبيل لمكافحة الفقر ولا الاستبعاد بدونه، وأثبت جدواه في العديد من المجالات الأخرى، وأما مصدر التحفظ فكان يتصل بالواقع القانوني في المنطقة العربية ونمط التنمية السائدة، وكلاهما لم يكن يقدم دعماً لا للفقراء ولا لحقوقهم، بل على العكس من ذلك، كان عوناً عليهم في واقع اجتماعي مزر اندلع في سياقه حراك اجتماعي غير مسبوق في العالم العربي في ديسمبر/كانون أول 2010 والذي كانت شرارته واقعة رمزية جمعت بين الفقر والبطالة والإهانة وغياب الحماية القانونية لشاب تونسي لم يجد ما يعبر به عن احتجاجه سوى أن يشعل في نفسه حريقاً امتد لهيبه لكل بلدان الوطن العربي.

          طال إعصار التغيير كل البلدان العربية، سواء تلك التي شهدت ثورات أو انتفاضات أو تلك التي بادرت بإجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية لاحتواء الحركة الاحتجاجية العاصفة. وحمل التغيير وعد الإصلاح، وكذلك تحديات انجازه، كما حمل طموحات تجذره وجهود إحباطه. ولا يزال بعد ثلاثين شهراً من اندلاعه تتنازعه الصراعات.

          لكن أيا كانت نتائج الصراع السياسي والاجتماعي الدائر، فقد انتزعت المجتمعات في البلدان العربية مكاسب لا سبيل للنكوص عنها، إذ انتزعت مساحة غير مسبوقة من حرية الرأي والتعبير، وفرضت أصوات الفقراء والمستبعدين وغيرهم من المهمشين على النظم والمجتمعات، وأطلقت وعياً اجتماعياً تحررياً لا يمكن كبته، وأعادت إلى مركز الحوار الاجتماعي قضايا التنمية والمشاركة والانتقال إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وغيرها من قضايا التي طمستها النظم الاستبدادية، وبلورت قوى اجتماعية جديدة، وفاعلون جدد مثل جماعات الشباب العابرة للإيديولوجيات، والنقابات المستقلة، والمدونون وغيرهم.

          وتفتح هذه العناصر مجتمعة مسارات جديدة للعمل من أجل تنمية بديلة عن تلك المنتهية الصلاحية، والتي وصلت بالمنطقة إلى الإنفجار، وإطلاق نمط جديد من التنمية يستطيع أن يتفاعل بجدية مع التركة الثقيلة التي سلمت فيها الدولة خياراتها إلى الأسواق، واستقالت من عديد من وظائفها الاجتماعية، وزاوجت بين السلطة والثروة فمأسست الفساد، وأطلقت العنان للاحتكارات، وتركت الفقراء تحت رحمة دعم تمن به صباح ومساء، وسلطة أمن تكمم الأفواه. ويمثل هذا السياق القيمة المضافة في معالجة قضية التمكين القانوني للفقراء.

تناول الفصل الأول من الدليل مفهوم الفقر وإشكاليات قياسه، ومفهوم التمكين وأبعاده حتى يصل إلى مفهوم التمكين القانوني للفقراء، لمناقشة أبعاده وقدرته "كإستراتيجية للتنمية" في الإسهام في مواجهة الفقر.

ويلفت هذا الفصل الانتباه مجدداً إلى الشكوك المشروعة التي تثيرها بعض الدراسات حول مدى درايتنا بالفقر ذاته وأسبابه، وليس فقط سبل مكافحته أو تخفيفه أو إدارته، كما يلفت الانتباه إلى شكوك مشروعة أخرى حول مؤشرات قياسه، وخاصة خطوط الفقر التي وضعها البنك الدولي.

وقد لا يمثل ذلك إضافة معرفية لكن تكمن أهميته في سياق ما كشف عنه مشهد التغيير في المنطقة والذي أثبت أن كثيرا من الاستخلاصات السابقة كانت زائفة. وسواء جاء هذا الزيف من جراء نقص المعلومات أو نقص دقتها، أو اختلاطه بالاعتبارات السياسية. فقد اثر على دقة التشخيص الذي يمثل نصف العلاج.

ففي أواخر شهر سبتمبر/أيلول 2010 كان صندوق النقد الدولي، ما يزال يطري "إدارة السياسات الاقتصادية الكلية التونسية والإصلاحات الهيكلية البنيوية خلال العقد الأخير" بل ودعا للمزيد منها "باحتواء الإنفاق العام على الأجور ودعم الغذاء والوقود" وعلى نحو مماثل أقر تقرير صندوق البنك الدولي الصادر في ابريل/نيسان 2010 السياسات الاقتصادية  الكلية الحكيمة في مصر، وتوافقها مع النصائح التي أدلى بها كادر خبراء الصندوق.

أما مؤشرات قياس الفقر، وفي مقدمتها خطوط الفقر للبنك الدولي، فهي بدورها موضع انتقادات جدية وتحمل الكثير من أوجه القصور، وتحفل أدبيات التنمية بهذه الانتقادات، وتسعى البحوث الأكاديمية والتطبيقية باطراد لبلورة مؤشرات وقياسات مستحدثة وسد الثغرات فيها. ويشار من نماذجها لتقيم بعض الخبراء لمؤشرات تخفيض الفقر في أهداف الألفية. فالمؤشرات –حتى بعد تطويرها تُحدد بالدخل- الإنفاق، بالدولارات الأمريكية والمقياس المعتمد محدود الفعالية والفائدة وغير كاف لرصد التقدم على الصعيد الوطني، ورغم نص أهداف الألفية يدعو إلى اعتماد خطوط الفقر الوطنية فإن قلة من الدول تلتزم به ويبقى مؤشر الدولار في اليوم هو السائد. كما أن اقتصار تعريف الفقر وقياسه على البعد "النقدي المالي" هو اختزال لظاهرة الفقر في بُعد واحد من أبعادها، ولا يتلاءم مع المقاربات المعاصرة التي تدعو إلى التعاطي مع الفقر بوصفه مفهوما أوسع، فضلاً عن أن المؤشرات تهمل المسائل والأبعاد "الجندرية" كطريقة القياس، وتغفل البيانات والمعلومات عن الفقر تركيبة الدخل الأسري، وانعكاس سيطرة الرجل على الموارد، ووضع المرأة في الحالات الأكثر هشاشة وتعرضا ولاسيما في مناطق الحروب.

كذلك تعرض هذا الفصل لمفهوم التمكين ذاته من عدة منظورات وخاصة في علاقته بالفقر، ويتفق مع المفهوم الذي يرى أن الفقر هو انعدام التمكين، وأن نموذج النمو الاقتصادي السائد يجعل كثيرا من السكان زائدين عن حاجة التراكم الرأسمالي، ومن ثم فإن القيود المفروضة على الفقراء تعد قيوداً هيكلية، بمعنى أن علاقات القوة التي يقوم عليها الإنتاج الرأسمالي، تعمل أيضاً على إبقاء الفقراء محرومين من التمكين، وتخفق في توفير التوظيف الكامل في الاقتصاد الرسمي، وتهبط بصغار الفلاحين إلى حالة عدم امتلاكهم أراضيهم، وتخرج الطبقة الدنيا من المشاركة السياسية الفعالة. ويخلص هذا المفهوم إلى أن تجاوز مجرد "البقاء على قيد الحياة"، يقتضي وجوب تغير علاقات القوة السائدة وتحويل القوة الاجتماعية إلى قوة سياسية قادرة على تحويل المطالب السياسية إلى حقوق شرعية.

انطلاقا من هذه المفاهيم حول الفقر والتمكين، تناول الدليل مفهوم التمكين القانوني للفقراء، ووجد فيه مقاربة تستحق الاهتمام في تعزيز مكافحة الفقر، وأن آلياته أصبحت أكثر قابلية للتطبيق في سياق الحراك الاجتماعي العربي بإشكاله المتعددة على الساحة العربية، لكن إمعان النظر فيه أظهر عدداً من الإشكاليات المهمة، أولها أنه جاء شأن معظم مقاربات مكافحة الفقر السائدة تحت سقف نمط التنمية السائد المنبثق عن "توافق واشنطن" وتحسيناته، وهو نفس النهج الذي أوصل التنمية في المنطقة إلى المأزق الذي بلغته، وثانيها أن قوامه الرئيسي – أي تيسير الوصول إلى العدالة وحقوق الملكية وحقوق العمل- هو لب الصراع السياسي -الاجتماعي في المنطقة في معركة سوف يطول أمدها، وثالثها أنه أخفق في التمييز بين حقوق العمل، وحقوق ممارسة الأعمال التجارية، ودعت ورشتا عمل إقليميتان إلى دمجهما.

لكن خلص هذا الدليل أيضا، إلى أنه مع أهمية هذه الانتقادات فإنها لا تحجب أهمية هذا المفهوم، وجدواه في جهود مكافحة الفقر حيث تتكامل عناصرها مع العديد من المقاربات المطروحة.

          ويناقش الفصل الثاني من الدليل خمس من أبرز المقاربات المتعلقة بالحد من الفقر وهى: مقاربة النمو الاقتصادي للحد من الفقر، ومقاربة الاستهداف الجغرافي للفقر، ومقاربة النمو الاقتصادي المحابي للفقراء، ومقاربة التنمية البشرية في مكافحة الفقر، ومقاربة دمج حقوق الإنسان في استراتيجيات الحد من الفقر.

وتقع بعض هذه المقاربات تحت طائلة انتقادات جدية مشتركة أولها أنها تقع تحت سقف العولمة واقتصاد السوق الحر، وتقصر تدخلاتها على معالجة آثارها السلبية المعترف بها بدرجات مختلفة من العمق، وثانيها أنها تعاني من إشكاليات نقص المعلومات الدقيقة وأحيانا تضاربها، وكذلك نقص المؤشرات كما سبقت الإشارة فيما يتعلق بمقاربة التمكين القانوني للفقراء.

 

لكن تنفرد كل منها، بالإضافة إلى ذلك بنمط خاص من الانتقادات:

  • فهناك شبه إجماع على فشل المقاربة التي تدعو إلى التركيز على النمو الاقتصادي المرتفع باعتبار يودى إلى انخفاض الفقر وارتفاع نمو إنفاق الفرد، إذ أثبتت الشواهد التجريبية أن النمو المأمول لم يتحقق، وأن الواقع الاجتماعي لتطبيق البرامج الاقتصادية الموصى بها جاء سلبيا للغاية بمختلف مقاييس الفقر.
  • مقاربة النمو الاقتصادي المحابي للفقراء  التي تنطلق من قاعدة استفادة الفقراء من النمو بطريقة نسبيه تفوق غير الفقراء مما يؤدى إلى انخفاض الفقر وعدم المساواة خلال فترة النمو، وقد حققت هذه المقاربة نتائج مهمة خلال تطبيقاتها في البلدان العربية في الفترة من 1965 – 1995. وأعترف البنك الدولي أن هذه الفترة التي استندت إلى عقود اجتماعية بين النظم الحاكمة وشعوبها شهدت معدلات متميزة وغير مسبوقة في النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، كما حققت انخفاضا في مستويات الفقر وعدم التساوي في توزيع الدخل.لكن بدأت هذه العقود الاجتماعية في التحلل منذ منتصف الثمانينيات وانزلقت العديد من البلدان العربية إلى أزمات اقتصادية حدت بمعظمها إلى تبني برامج الإصلاح الهيكلي التي فاقمت من مشاكلها وأدت إلى اتساع رقعة الفقر وزيادة عدم المساواة .
  • مقاربة التنمية البشرية في مكافحة الفقر وتنطلق هذه المقاربة التي تبناها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من مفهوم للفقر أو سع نطاقاً من مجرد الافتقار إلى الدخل إذ تعتبره حرماناً يتخذ أبعادا كثيرة. ونحتت مصطلح "الفقر البشري" لتمييز هذا الحرمان الواسع النطاق عن فقر الدخل الأضيق نطاقا. وتركز هذه المقاربة على توسيع القدرات المهمة لجميع الأشخاص والتي يصادرها الفقر. وتستند إلى عدة مبادئ مهمة أبرزها السعي لتحقيق نمو اقتصادي موال للفقراء، وإعادة تشكيل الميزانيات لصالح الخدمات الاجتماعية الأساسية، وضمان مشاركة الفقراء في القرارات التي تمس حياتهم من خلال توسيع المساحة السياسية لسماع أصواتهم وأصوات المدافعين عنهم، وحماية الموارد الطبيعية ورأس المال الاجتماعي للمجتمعات المحلية الفقيرة، وإزالة التمييز ضد النساء والأقليات، وكفالة حقوق الإنسان في القوانين، وضمان انعكاسها كالتزامات قانونية في السياسيات الاقتصادية.
  • وتقوم مقاربة الاستهداف الجغرافي للفقر على تحديد المناطق التي يتمركز فيها وجود الفقراء، وتحويل الدعم لهم بشكل مباشر دون غيرهم. وقد بدأ التحول إلى سياسيات الاستهداف ابتداءً من مطلع التسعينيات بسبب التوجه الأيديولوجي نحو السوق وبرامج التكيف الذي تبنته الدول النامية بدفع من المؤسسات المالية العالمية. ويتميز الاستهداف الجغرافي بتوافر معيار واضح لتحديد السكان المستهدفين، والتخلص من مشكله محدودية المعلومات التي تعوق برامج الاستهداف، وسهولة إدارة البرنامج بواسطة السلطة المحلية وأجهزة الدولة ومتابعته، وإمكانية دمجه مع أشكال أخرى من الاستهداف مثل استهداف الأفراد أو الأسر المعيشية للوصول إلى المستحقين، وعدم اقتصار أدوات الاستهداف الجغرافي على التحويل النقدي وحده، بل تمتد إلى أشكال متنوعة من وسائل دعم الأفراد.

لكن رغم هذه الميزات، فإن هذه المقاربة لا تضمن الوصول إلى الفقراء، لأن المؤشرات والمعايير التي يحدد على أساسها الفقر قد لا تكون معبرة تماماً عن الفقراء وبالتالي يحدث تسرب الدعم لغير الفقراء، كما يؤدى الاستهداف بالضرورة إلى توليد قطاعين أحدهما معنى بالفقراء ويمول من قبل الدولة، والثاني معنى بالثروة ويقدم بواسطة القطاع الخاص ويؤدى ذلك إلى نمط واضح من الاختلاف في الخدمات إذ تصبح الخدمات التي تقدم للفقراء بشكل حصري فقيرة. كما يترتب عليها أيضا أنماط من التمييز حيث يستفيد الفقراء في المناطق المستهدفة عن غيرهم من الفقراء في المناطق غير المستهدفة.

وقد شهدت العديد من البلدان العربية تجارب الاستهداف الجغرافي للفقراء، وجرت قراءات نقدية لها. وقد توقف الدليل بصفة خاصة عند التجربة المصرية فيما عرف بمشروع "الألف قرية" الذي أطلقه النظام السابق لعدة أسباب أولها أن المرحلة الأولى للتجربة قد اكتملت، وثانيها أن حكومة ما بعد الثورة قد تبنت استئناف المشروع، وثالثها أن أحد الباحثين المشاركين في البرنامج وفّر قراءة نقدية متميزة للبرنامج من داخلة لامست الإشكالية الواقعية دون رتوش، وخلاصتها: أن اختيار القرى تأثر بالاعتبارات السياسية أكثر من الواقع الاقتصادي- الاجتماعي بالقرى المستهدفة، كما تأثر بنفوذ القوى المحلية، وبُني على معلومات غير صحيحة، واستهدف أحيانا قرى غنية حتى تظهر نجاح المشروع، ولم تراع في إنشاء المساكن احتياجات الفلاحين المستفيدين حيث بنيت في أماكن بعيدة عن الحقول وتمت مشروعات الإسكان في شكل شقق في مبان سكنية تغافلت عن نمط حياة الفلاحين المعيشية.

 

ويتناول الفصل الثالث من الدليل المعايير والآليات الدولية وسبل إدماجها في استراتيجيات الحد من الفقر في ثلاثة أقسام رئيسية تتناول تقييم المعايير ومدى قدرتها على استيعاب هذا الهدف؛ فالآليات ومدى فعاليتها في مساندة تحقيقه، وأخيراً الإشكاليات ومدى إعاقتها لإنجازه.

وقد تضمن الفصل معايير الأمم المتحدة واتفاقياتها التسع الرئيسية، ومعايير منظمة العمل الدولية، واتفاقياتها الثمان الرئيسية، ثم انتقل إلى آليات الأمم المتحدة المعنية بالرقابة والإشراف والشكاوى وآلياتها التعاقدية وغير التعاقدية، وكذا آليات منظمة العمل الدولية في الرقابة والإشراف والشكاوى، كما تعرض لأربع إشكاليات رئيسية تؤثر على الاستفادة من هذه المعايير والآليات، وهي: مكانة القانون الدولي من القانون الوطني، والالتباسات الناشئة عن مبدأي العالمية والخصوصية في مجال حقوق الإنسان، وتلك المتعلقة بالسيادة الوطنية، وأخيراً إشكاليات قياس ورصد انتهاكات حقوق الإنسان.

وقد ركز هذا الفصل على إشكاليات رصد وقياس انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية اتصالاً بأهداف الدليل، استناداً على وثيقة "ماستريخت" والتي تعد بدورها من بين أكثر الوثائق أهمية في هذا المجال انطلاقاً من تعريف المقصود بانتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في ضوء الالتباسات الناشئة عن مبدأي القدرة والتدرج، وتحديد الالتزامات الأساسية الدنيا، والتمييز بين عجز الدول الأطراف في العهد عن الامتثال، وانتهاكها لأحكامه من خلال الاتيان بفعل، أو إغفال فعل.

كما حددت مسئولية الأطراف بدءًا من مسئولية الدولة في الحالات الطبيعية وفي ظروف السيطرة والاحتلال الأجنبي، والأفعال الصادرة عن الجهات غير التابعة للدولة، وتلك الصادرة عن المنظمات الدولية. وصولاً إلى ضحايا الانتهاكات وسبل إنصافهم، ودور الفئات المنوط بها هذه المهمة في المجتمع.

ويخلص هذا الفصل إلى أنه رغم أوجه القصور أو الإشكاليات التي تحد من أثر المعايير والآليات الدولية في تحقق هدف محاربة الفقر، إلا أنها توفر قاعدة لا غنى عنها في هذا الشأن، كما ركز على أهمية التوثيق والرصد في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.مم المت

،

ويتناول الفصل الرابع تحدي إقامة العدالة الاجتماعية، ليس فقط بالدعوة المطلبية الكاسحة التي تصدرت الحراك العربي ولكن أيضا في سياق التكامل الأساسي بموضوع هذا الدليل، والترابط بين العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر انطلاقا من أن الفقر واللامساواة جزءان مترابطان من مشكلة واحدة مركبة.

فرغم أن الفقر يرتبط بأبعاد مختلفة للامساواة، كتلك المتعلقة بالدخل والجنس والعرق والموقع وما يصاحبها من تمييز، كما أن اللامساواة تفصح عن نفسها من خلال أبعاد مختلفة كالتوظف والحصول على الخدمات الاجتماعية. وهذه الأبعاد تميل إلى إنتاج أو تعزيز نمط من النمو يحابى الأغنياء، وتشكل المستويات العليا من اللامساواة عائقا أمام خفض الفقر وتظل هذه العلاقة صحيحة حتى عندما يكون الاقتصاد في حالة نمو.

ورغم التنوع الكبير في مفهوم العدالة الاجتماعية، والتفسيرات التي لا تحصى لها، فقد ركز الدليل على ستة عناصر كانت محل إجماع عدد كبر من البحوث وهى: المساواة، عدم التمييز وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للموارد والأعباء، والضمان الاجتماعي، وتوفير الحماية الاجتماعية، والعدالة بين الأجيال. وقد ناقش الدليل كل عنصر من هذه العناصر الست بقدر مناسب من التفصيل.

كما ناقش أيضا مبادرة الحد الأدنى للعدالة الاجتماعية والتي أطلقها عدد من وكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني في العام 2009 في أعقاب الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية التي هددت معظم بلدان العالم، وذلك باعتبارها أداة إنمائية وعنصرا أساسيا في الجهود الرامية للقضاء على الفقر.

كذلك ناقش هذا الفصل تحديات إقامة العدالة الاجتماعية على المستوى العالمي ورصد سبع تحديات رئيسية وهى: اختلالات العولمة، وعدم فاعلة النمو الاقتصادي وأثره على التوزيع العادل للفوائد، واضطراب الاقتصاد وتأثيره على المنشآت المستدامة في الاقتصاد الحقيقي، واتجاه الاقتصاد نحو التمويل (البورصات) وتحول هذا التمويل من تلبية الاحتياجات المالية للاقتصاد الحقيقي إلى سياق يتبع تطوره الخاص، وعجز الأجور عن مواكبة قوة العمل وبطء نمو العمالة مدفوعة الأجر واستمرار العمالة غير المنظمة وتزايد العمل اليومي العارض، ووجود ثغرات هائلة في تغطية الحماية الاجتماعية.

كما ناقش هذا الفصل أيضا واقع العدالة الاجتماعية في العالم العربي، قياساً بالمبادئ الست موضع التوافق السابق الإشارة إليها مع مراعاة التباينات الشاسعة بين اقتصادات البلدان العربية التي تجمع بين أعلى مستوى دخل في العالم وأدنى مستوى دخل في العالم.

ويتفق الدليل مع الإجماع الذي أوردته الأدبيات الدولية والوطنية حول العناصر الجوهرية التالية كسبيل لتعزيز العدالة الاجتماعية في العالم العربي وهى:

- الحاجة إلى نموذج جديد للنمو يقوم على أهداف تلبي احتياجات الناس ألا وهو التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مجتمعة، والحد من التباينات الأساسية (التي سبق تناولها) بين التمويل (ويقصد به الاستثمار في أسواق المال) والاقتصاد الحقيقي، وبين الأغنياء والفقراء، وبين رأس المال والعمال، وتحقيق هدف العمل اللائق لجميع النساء والرجال وانتهاج سياسات عامة تعالج جذور النمو غير المجدي، من خلال تدعيم إطار  استثمار منتج، وجعل النظام المالي في خدمة الاقتصاد الحقيقي، وتطوير أسواق العمل كي تصبح أسواقاً شاملة وعادلة.

- إعادة النظر في الحدين الأدنى والأعلى للأجور، في سياق يعتمد الهيكل النسبي للأجور في كل قطاع أو فرع من فروع النشاط الاقتصادي بما يحقق العدالة الأفقية بين القطاعات والعدالة الرأسية في هيكل الأجور والدخول داخل القطاع الواحد الذي لحق به العديد من التشوهات والمفارقات في كثير من البلدان العربية، واعتماد مفهوم الدخل بدلاً من الأجر أو الراتب الأساسي أي الأخذ في الاعتبار البدلات والمكافآت والحوافز.

- إعادة النظر في السياسة الضريبية، بعد أن ثبت فشل الرؤية التقليدية التي تقوم على خفض الضرائب، وعدم الإفراط في تدرجها للحفاظ على الموازين المالية وفرص الاستثمار، والتي كان من نتائجها زيادة التباينات في الحصول على الحماية الاجتماعية، بينما فشلت في رفع مستويات الاستثمار. وتبنى سياسات ضريبية أكثر تدرجاً بغية تمويل البرامج الرئيسية مثل التعليم والحماية الاجتماعية وتهيئة بنية أساسية كثيفة العمالة، وسيدعم هذا الأمر في الوقت نفسه أهداف إعادة التوزيع.

- توفير ضمان اجتماعي جيد التصميم يضمن توسيع نطاق مظلة التأمينات الاجتماعية القائمة على الاشتراكات وإعانات البطالة، وإرساء أرضية حماية اجتماعية لأكثر الناس هشاشة لا تقف عند الوصول إلى الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل وأن تسعى باستمرار إلى تلبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

ويتناول الفصل الخامس والأخير من القسم الأول من هذا الدليل تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد انطلاقاً من العلاقة التبادلية بين الفساد والفقر، إذ يزيد الفساد من جراء الفقر من خلال إعاقته للنمو الاقتصادي الذي يؤثر بدوره على مستويات الفقر من ناحية، كما يؤثر الفساد على الفقر عن طريق التأثير على عوامل الحكم الرشيد من خلال إضعاف المؤسسات السياسية ومشاركة المواطنين، وتخفيض جودة الخدمات والبنى التحتية الحكومية، مما يؤثر بدوره على مستويات الفقر.

وتحفل المصادر الدولية بتقديرات متفاوتة عن تكلفة الفساد في الوطن العربي وتقدره بعض المصادر برقم يتراوح ما بين 300 إلى 400 مليار دولار سنوياً. كما تقدر الأموال المهربة من مصر وتونس وليبيا بنحو 300 إلى 400 مليار دولار. وتقدر الأموال المهربة نتيجة الفساد من مصر وحدها بثلاثة أضعاف قيمة الموازنة. ويقدر المؤتمر الوطني الليبي أن هناك 60 مليار دولار لا يعرف أحد أين هي.

          ولا تقاس خطورة الفساد بالأرقام فحسب إذ أن أخطر ما ينتج عن ممارسات الفساد والإفساد هو ذلك الخلل الكبير الذي يصب أخلاقيات العمل وقيم المجتمع. وسيادة حالة ذهنية لدى الأفراد والجماعات تبرر الفساد، وتجد له من الذرائع ما يسوغ استمراره واتساع نطاق مفعوله في الحياة اليومية فتتحول الرشوة والعمولة تدريجياً إلى نظام حوافز. ويتقبل المجتمع نفسياً فكرة التفريط التدريجي في معايير أداء الواجب الوظيفي والمهني والرقابي.    ويفقد القانون هيبته في المجتمع.

ويرصد الدليل أنه لا يخلو بلد عربي من آليات رقابية أو قانونية لمكافحة الفساد، فجميع البلدان العربية تجرم العديد من مظاهر الفساد، وتؤسس أجهزة رقابية للمراقبة المالية والإدارية، كما بادرت معظم البلدان العربية بالانخراط في الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وبسرعة غير مألوفة بخلاف سلوكها حيال غيرها من الاتفاقيات الدولية الأخرى، ولم يتخلف عن الانضمام للاتفاقية سوى السعودية والسودان وسوريا الذين وقعوا ولم يصادقوا، وسلطنة عمان التي عزفت عن الانضمام إلى الاتفاقية، والصومال التي حالت ظروفها المعروفة عن انضمامها.

          كما بادرت الدول العربية لإقرار اتفاقية عربية لمكافحة الفساد في إطار جامعة الدول العربية، تم التوقع عليها من جانب وزراء الداخلية، والعدل العرب في 21 ديسمبر 2010 من جانب جميع الدول العربية باستثناء الصومال.

لكن المفارقة هنا أن كل هذه المنظومة لم تفلح في الحد من الفساد، بل على العكس من ذلك فإن أغلب البلدان العربية تراجعت على مؤشر مدركات الفساد الذي تجريه منظمة الشفافية الدولية.

ويتفق هذا الدليل مع معظم العوامل التي تناولتها أدبيات مكافحة الفساد مثل نقص الديمقراطية، والمشاركة، وسيادة القانون والمساءلة، وكذا نقص فعالية أداء الحكومات وجودة التشريعات. لكن يختلف مع ما يثار حول غياب الإرادة السياسية في مكافحة الفساد. فالاستخلاص الرئيسي الذي يصل إليه هذا الدليل هو أن هناك إرادة سياسية لحماية الفساد وليس مكافحته. يظهر ذلك في الطابع الممنهج للفساد الذي تكشف بسقوط بعض النظم العربية. وتشابه آلياته ومواقع المنخرطين فيه.

كما يخلص إلى نتيجة مهمة أخرى وهي أن الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد عمدت إلى إضعاف مبدأ إعادة الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد إلى بلدان الأصل التي نهبت منها، فبعد أن كان المشروع الأصلي للمادة الأولى من الاتفاقية ينص بوضوح على إعادة الأموال المنهوبة إلى بلدان الأصل تم حذف هذه العبارة رغم مطالبة الوفود العربية بالإبقاء عليها دون جدوى، وحين تضمنت المادة 57 من الاتفاقية الإشارة إلى إرجاع عائدات الفساد فقد نصت على أن يكون ذلك إحدى طرق التصرف في هذه العائدات المصادرة. وهو ما يعني بمفهوم المخالفة أنه يجوز التصرف في عائدات الفساد المصادرة بطرق أخرى غير إعادتها لبلدان الأصل وفضلاً عن ذلك فإن عبارة بلدان الأصل التي نهبت منها هذه الأموال تغيرت إلى عبارة أخرى وهي "إعادتها إلى مالكيها الشرعيين وهي عبارة تحتمل تأويلات عديدة ولا تخلو من الغموض.

 

القسم الثاني : تجارب وخبرات

ويناقش القسم الثاني من الدليل الآليات القانونية والقضائية والتفاوضية الرامية لتعزيز التمكين القانوني للفقراء من خلال أربعة فصول تتناول المساعدة القانونية كآلية تدعم قدرات الفقراء وغيرهم من الفئات المهمشة في الوصول إلى العدالة، وعرض تجارب معبرة عن استخدام التقاضي كآلية للتمكين القانوني للفقراء مع اعطاء اهتمام خاص لمفهوم التقاضي الاستراتيجى، وخبرة المفاوضة الجماعية استنادا إلى معايير منظمة العمل الدولية في حماية حقوق العاملين، ودور التحرك الجماعي، الذى يستهدف التأثير على السياسات العامة للدولة تجاة قضايا معينة من خلال الحشد والمناصرة وغيرها من الوسائل التي أثبتت جدواها في العديد من القضايا الاجتماعية.

ويبرز الفصل السادس تكامل المساعدة القانونية مع مفهوم التمكين القانوني للفقراء كجزء لا يتجزأ من تعزيز الوصول إلى العدالة. وتضع العديد من الوثائق الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان التزاماً على عائق الدول الأطراف لتقديم المساعدة القانونية من أجل إنفاذ حق الجميع في الوصول إلى العدالة. ويحدد  دليل النفاذ إلى العدالة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الصلة بشكل واضح ينطلق من أن حقوق الفقراء وغيرهم من الفئات المهمشة أكثر عرضة للانتهاك بالتمييز والعنف والسرقة والاستغلال الاقتصادي مما يؤثر تأثيرا كبيرا عليهم بسبب ضعف إمكانياتهم للسعي وراء حقوقهم. وفي ضوء ذلك تُستعمل الأنظمة القضائية كآلية للدفاع عن حقوقهم ومراكزهم القانونية والتغلب على الحرمان عن طريق ضمان النفاذ إلى التعليم أو الغذاء أو الصحة أو غيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأخرى. كما تطالب منظمة "اليونسكو" الدول بالترويج بشكل نشط للوصول المجاني للفقراء إلى المحاكم، وغيرها من الهيئات وآليات تسويه المنازعات الأخرى.

ويتناول هذا الفصل نماذج من الخبرة  الدولية للمساعدة القانونية، ويفصل في المساحة المتاحة للمساعدة القانونية في العالم العربي عبر الإطار الدستوري والقانوني في معظم البلدان العربية، وآليات المساعدة القانونية المتاحة فيها من جانب الهياكل الحكومية، وشبه الحكومية وغير الحكومية، واللجان القومية والمؤسسات الوطنية، ومؤسسات تلقى الشكاوى "دواوين المظالم" والمنظمات غير الحكومية والعيادات القانونية.

ويخلص هذا الفصل، إلى أن الواقع بمعطياته الايجابية والسلبية يرسم خريطة العمل الواجبة من أجل توفير المساعدة القانونية لمستحقيها وضمان وصولهم إلى العدالة عبر ثلاثة محاور متوازية:

- تعزيز الحركة المطلبية من أجل تطوير البنية القانونية الداعمة للمساعدة القانونية في سياق التعديلات القانونية التي تشهدها البلدان العربية في مسار الحراك الاجتماعي الجاري.

- تعزيز الآليات شبه الحكومية، وغير الحكومية لتوسيع نطاق خدمات المساعدة القانونية.

- تعزيز جهود التوعية القانونية وخاصة لدى الفئات المستهدفة.

 

ويتعرض الفصل السابع لتجارب التقاضي استنادا إلى أحكام العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي يعانى من ندرة شديدة وعلى الأخص في العالم العربي كانت موضع انتقاد متكرر من جانب اللجنة الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مناقشاتها مع البلدان العربية الأطراف في العهد، وحتى المثال الوحيد الذي كانت تورده اللجنة كنموذج هو قضية إضراب عمال السكك الحديدية في مصر عام ١٩٨٧ الذي كان يعود إلى أكثر من ربع قرن.

ويرجع ذلك إلى أسباب موضوعية، فالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ذاته يتبنى مبدأي القدرة والتدرج في إعمال أحكامه انطلاقاً من واقع أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تتطلب في معظم الحالات تخصيص موارد مالية، وأن إعمالها يتطلب فترات زمنية لإنجازه، بخلاف الحقوق المدنية والسياسية التي يغلب عليها طابع "الامتناع" عن أفعال معينة وتحتاج إلى إرادة سياسية في تفعيلها أكثر من الموارد. ورغم أن المبدأين صحيحان إلا أنهما يستخدمان في كثير من الأحيان كذريعة للتهرب من الالتزامات القانونية والدولية في سياق لا تزال تنازع فيه بعض الدول في أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تعبر عن مطالب واحتياجات ولا تمثل حقوقاً.

وتزداد الصعوبة عندما يتعلق الأمر بالتمكين القانوني للفقراء وغيرهم من الفئات الهشة الذين يُضعف الفقر قدراتهم، وتعوزهم الأوراق الثبوتية، والمساندة الإعلامية، وتخذلهم نظم الضمان الاجتماعي، والخيارات الاجتماعية للحكومات، وأنماط الفلسفة الاقتصادية السائدة، وتأثيرات العولمة المنفلتة.

لكن مع تعمق الحرمان تحت وطأة الآثار السلبية المعروفة للعولمة، وانزلاقها بالمجتمعات العربية في دوامة الأزمات المالية والاقتصادية الطاحنة وزيادة التفاوت الطبقي، وانسحاب الدولة من كثير من وظائفها الاجتماعية، بدأت تتشكل حركة اجتماعية مطلبية واسعة النطاق عززتها زيادة الوعي بحقوق الإنسان، وزيادة دور مؤسسات المجتمع المدني، وانعكست في نقل الجدل القانوني حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى ساحات القضاء.

          وقد تطورت خبرات التقاضي على أساس العهد باتجاه ما أصبح يعرف بالتقاضي الإستراتيجي وهو اختيار موضوع قضية ما وإقامة دعوى قضائية بها أمام المحاكم لصالح شخص أو مجموعة من الأشخاص بغرض الحصول على حكم تستفيد منه شرائح ومجموعات واسعة النطاق من المجتمع تتجاوز شخص رافع الدعوى، أو بغرض إحداث أثر دائم في المجتمع يتجاوز أطراف الخصومة القضائية ولذلك يسمى التقاضي الإستراتيجي "بتقاضي الأثر" ومن أبرز الأمثلة الشائعة للقضايا ذات الأثر الدائم والممتد تلك الأحكام الصادرة بعدم دستورية القوانين والقرارات.

كذلك يختلف التقاضي الإستراتيجي عن غيره من الدعاوى القضائية المقامة أمام المحاكم بتخطيط عملية التقاضي وإدارتها باستخدام عناصر الدعوة والتأييد وغيرها من وسائل الحشد والتعبئة للمناصرين بشكل يتجاوز حدود الخصومة القضائية ليخاطب جمهورا كبيرا من المستفيدين وذوى المصلحة، ويجذب اهتمام المجتمع ويؤثر على صناع القرار والسياسات.

 

ويورد هذا الفصل نماذج معبرة من التقاضي على أساس العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتقاضي الاستراتيجي من بينها في مصر في قضية الحد الأدنى للأجور، وفي قضية "خصخصة" التأمين الصحي، والتمييز ضد أصحاب المعاشات في تقرير العلاوات الاجتماعية بتقرير حد أقصى لها، كما يورد نماذج في مجال الحق في الصحة في قرار وزير الصحة بربط سعر الدواء بالأسعار العالمية مما كان من شأنه أن يؤثر على وصول المواطنين للدواء بأسعارٍ مناسبة لقدراتهم وأخرى في مجال الحق في التعليم مثل الدعوى التي أقيمت لإلغاء قرار المجلس الأعلى للجامعات بزيادة رسوم التعليم الجامعي الحكومي للمنتسبين بعشرة أمثاله، ونماذج أخرى من الإخلاء القسري مثل قضية الطرد الجماعي لسكان جزيرة "القرصاية" التي يقطنها خمسة آلاف مواطن، كما تمثلت أبرز النماذج في حماية موارد الدولة في قضية تصدير الغاز الطبيعي بأقل من معدل أسعاره في السوق العالمي، وتخصيص مساحات شاسعة من أراضي الدولة لبعض شركات الاستثمار العقاري دون شفافية، ودون مزايدة، وبوضع تمييزي.

كما يورد نماذج من استخدام آلية التقاضي في بلدان عربية أخرى، لحماية حقوق فئات معينة أو حقوق معينة، وكان من أبرز نماذجها في حماية المرأة إسقاط القواعد التمييزية في سفرها إلى الخارج في الكويت، كما كان من أبرز نماذجها في لبنان، إسقاط قرار وزير الداخلية الذي كان يسعى إلى تقيد الحق في تأسيس الجمعيات الأهلية في بلد يمتلك أحد أفضل قوانين الجمعيات على الساحة العربية.

وتثير هذه النماذج التي جاءت في سياق آلية التقاضي لتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عدداً من المسائل المهمة تتصل بجدواها ونتائجها الاجتماعية.

ففي تقدير جدواها ونتائجها خلص الدليل أنها أثبتت هذه الجدوى في الدعاوى التي استجابت لها المحاكم أو رفضتها أو تلك التي نفذتها الحكومات أو تسعى لإفراغها من مضمونها. ففي الحالات التي أيدتها المحاكم في مصر لم تقتصر جدواها فقط على إلغاء القرار المعيب المطعون عليه بل أفضت في إحدى الحالات، وهي الخاصة بمناقشة هيئة التأمين الصحي، لدعوة الحكومة إحدى المنظمات التي كانت خصماً للوزارة في الدعوى القضائية لمناقشة مشروع قانون التأمين الصحي الجديد، واستمعت لملاحظاتها.

وفي الحالات التي رفضتها المحاكم مثل قضية وقف تصدير الغاز بأقل من سعره العالمي اضطرت الحكومة لإعادة النظر في عقودها لبيع الغاز داخلياً للمصانع الكبرى وخارجياً للمستوردين الأجانب مما نتج عنه تقريب هذه الأسعار للمستويات العالمية، وعاد على خزينة الدولة بنتائج إيجابية جيدة.

وفي المجالات التي صدرت فيها أحكام وتحاول الحكومة احتواء أثرها أو إفراغها من مضمونها مثل قضية الحد الأدنى للأجور وقضية تخصيص أراضي الدولة، أفضت إلى مناقشة السياسات الاجتماعية للدولة، وأثارت وعياً مهماً في المجتمع انتقل إلى مؤسساتها التمثيلية البرلمانية والنقابية، والإعلامية، ونقلت أحكام الدستور وأحكام العهد إلى صلب الحوار الاجتماعي.

وتشير هذه النماذج إلى تنوع الفاعلين الاجتماعيين الذين تنبهوا أكثر من غيرهم لجدوى استخدام آلية التقاضي في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إذ لم تقتصر هذه الفئة على أصحاب المصلحة المباشرين، بل امتدت إلى محامين ذوي وعي اجتماعي وحقوقي، ومنظمات متخصصة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لكن يلاحظ أيضاً محدودية هذه الفئات رغم تعدد القضايا وأهميتها وغياب فاعلين آخرين، كان أولى بهم مساندة هذه الدعاوى مثل المنظمات النقابية والمهنية الرسمية.

كذلك أثار الجدل القانوني في هذه القضايا عددَا من المسائل القانونية الجوهرية أبرزها مدى امتثال الحكومات لأحكام الدستور، ومشروعية تصرفات وقرارات الإدارة ونزاهتها، وعززت من قبول المحاكم وولايتها على تصرفات الإدارة باعتبارها تندرج تحت مفهوم "القرار السلبي" الذي تتخذه الإدارة بعدم تدخلها إزاء قضية ما مثل الحد الأدنى للأجور، وأكدت من جديد رقابة وولاية القضاء على أعمال الإدارة في مواجهة تذرع جهة الإدارة بأعمال السيادة في تحصين قراراتها، كما وسعت من مفهوم "المصلحة والصفة" في الدعوى القضائية.

 

ويتناول الفصل الثامن المفاوضة الجماعية كآلية لتحسين شروط العمل بين أطراف العمل وأرباب العمل بوصفها أفضل الطرق لتحقيق هذه الشروط وفض المنازعات، انطلاقاً من أن العمل بدوره هو مناط الحماية من الانزلاق إلى الفقر، ومناط الرجاء في الخروج منه إذ انزلق إليه الأفراد.

ويرتبط إعمال هذا الحق بالحريات النقابية من أجل تعزيز المصالح المهمة والدفاع عنها لطرفي العملية الإنتاجية، ويرتبط ارتباطاً عضوياً بحق تكوين النقابات، فلا يمكن إقامة حوار بناء بين منظمات العمل ومنظمات العمال والهياكل الحكومية ما لم تكن هذه المنظمات مشروعة ومعترف بها ومستقلة.

ويتعرض هذا الفصل لضمانات نجاح المفاوضة الجماعية، ومراحل هذه المفاوضة، ودور العمال أثناء المفاوضة، والقضايا الرئيسية فيها. كما يناقش واقع المفاوضة الجماعية في العالم العربي في التشريعات والممارسة وسبل النهوض بها ويقدم دارسة حالة عن الحركة النقابية العمالية المصرية.

ويذهب هذا الفصل إلى أن القوى العمالية التي كانت في طليعة المشاركين في الحراك الاجتماعي العربي، انتزعت مكاسب غير مسبوقة لاستقلال النقابات والاتحادات العمالية، ونجحت في تأسيس مئات من النقابات المستقلة الفاعلة في بعض البلدان العربية سواء تلك التي شهدت ثورات مثل تونس ومصر أو تلك التي بادرت بإجراءات إصلاحات مثل الأردن، رغم المقاومة التي تواجهها من جانب الاتحادات الرسمية وأرباب العمل والحكومات.

ويقترح الدليل التركيز على بعض العناصر الفنية والقانونية من أجل النهوض بالمفاوضة الجماعية أبرزها: توفير مقومات المفاوضة الجماعية على صعيد الواقع، وتنظيم الإطار القانوني للمفاوضة، وتشجيع المفاوضات على مختلف المستويات وبالأخص على صعيد المنشأة التي تمثل الإطار الأفضل بشأن بعض المسائل مثل الإنتاجية والتدريب المستمر والصحة والسلامة المهنية. وتدعيم تدريب المفاوضين وتعزيز التعاون بين إدارات العمل والمنظمات المهنية العاملة في هذا المجال.

 

ويتناول الفصل التاسع والأخير التحرك الجماعي، الذي يصف تلك الجهود المنظمة للتعبئة والحشد لجماعات من الناس كآلية يلجأ إليها أصحاب المصالح لمجابهة المظالم أو دفع خطر محدق بهم.

ويستهدف التحرك الجماعي تعبئة وتنظيم الجهود الجماعية والتطوعية لصالح القضايا المحددة اجتماعية وسياسية عبر التأثير على السياسات العامة لتغيير القوانين أو إصدارها أو الدعوة لإنفاذها، أو لاتخاذ إجراءات محددة في السياسات الاجتماعية والتنموية، أو إملاء مطالب اجتماعية. وقد برز دوره في الربع الأخير من القرن العشرين كتعبير عن الحركات الاجتماعية. وحقق نتائج مهمة في إقرار تشريعات على صلة بالعدالة الاجتماعية، وحماية حقوق الإنسان، أو الدفاع عن مصالح العمال والمهمشين والمستهلكين وغيرهم.

وقد تناول هذا الفصل صيغ التحرك الجماعي، وعوامل نجاحه، وأدوات وأساليب إدارته، كما ناقش مصاعب التحرك الجماعي في البيئة العربية. وقدم نماذج من التحرك الجماعي في مجال إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أبرزها احترام حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومشكلة البدون وعديمي الجنسية في الكويت. كما قدم نماذج للتحرك الجماعي عن حقوق الملكية والعمل في مصر، وقضايا العمال المنزليين في العالم العربي.

واستخلص هذا الفصل من كل هذه النماذج قدرة المجتمع المدني على التفاعل مع مطالب اجتماعية لا يمكن انجازها دفعة واحدة بقضية ترفع أمام المحاكم بسبب الطبيعة المركبة لهذه المطالب فهي وإن كانت مطالب ذات أبعاد قانونية فإنها تتعلق بأبعاد سياسية واجتماعية متشابكة ومعقدة.

* رابط كتاب دليل التمكين القانوني للفقراء المباشر : http://sjrcenter.org/media/k2/attachments/13_10.pdf

 ***

مقروء 3559 مرّة آخر تحديث الإثنين, 03 آذار/مارس 2014 22:39